تركيا بنت جيش الصومال... والآن طائراتها المسيّرة متهمة باستهداف خصم سياسي

أنفقت الصومال، الدولة الواقعة في القرن الأفريقي والتي لا تزال تخوض حربًا مستمرة منذ عقود ضد حركة الشباب المتشددة، العقد الماضي في بناء جيشها الفيدرالي بالاعتماد شبه الكامل على راعٍ أجنبي واحد: تركيا. وهذه العلاقة تواجه الآن سؤالًا محرجًا، بعدما أصابت غارة بطائرة مسيّرة هذا الأسبوع منزل مسؤول أمني سابق رفيع المستوى في منطقة متنازع عليها بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وولاية شبه مستقلة، فيما برز اتهامان منفصلان وغير مؤكدين يشيران إلى جهتين مختلفتين.
الوجود العسكري التركي في الصومال ليس شراكة هامشية. فقاعدة "تُركسوم"، أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج حدودها، تقع على مشارف العاصمة مقديشو، وتدرب الجنود الصوماليين منذ عام 2017. وقال السفير التركي لدى الصومال محمد يلماز إن أنقرة درّبت نحو ثلث الجيش الصومالي، أي ما بين 15 و16 ألف عنصر، وفق وكالة الأناضول التركية الرسمية. كما تحلّق طائرات "بيرقدار TB2" التركية المسلّحة دعمًا لعمليات الحكومة الصومالية ضد حركة الشباب منذ عام 2021. وفي يناير الماضي، نشرت تركيا مقاتلات F-16 في مطار أدن عدي الدولي بمقديشو، وهي المرة الأولى التي تعمل فيها مقاتلات تركية من الأراضي الصومالية، بحسب "ميدل إيست آي" و"ذا وور زون" و"فرانس برس".
وليست هذه المرة الأولى التي تُرجّح فيها الطائرات المسيّرة التركية كفة ميزان القوى داخل دولة حليفة هشة لا تخوض تركيا معها حربًا رسميًا. ففي ليبيا، كانت طائرات TB2 التركية عاملًا حاسمًا بين عامي 2019 و2020 في مساعدة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها أمميًا على صد هجوم القائد المنافس خليفة حفتر. وفي حرب تيغراي الإثيوبية عام 2021، دعمت الطائرات التركية المسيّرة قوات الحكومة الفيدرالية ضد المتمردين، إلى جانب موردين آخرين كالصين والإمارات. وفي سوريا، تدعم الطائرات التركية "الجيش الوطني السوري" الموالي لأنقرة ضد "قوات سوريا الديمقراطية" بقيادة كردية منذ 2019 وحتى الآن. والقاسم المشترك: الدعم التركي بالطائرات المسيّرة يميل إلى الطرف الذي يخدم مصالح تركيا الاستراتيجية والاقتصادية القائمة أصلًا، وليس بالضرورة الطرف صاحب الحجة القانونية الأقوى.
بالنسبة لواشنطن، يقع النفوذ التركي المتنامي في الصومال مباشرة على خط الملاحة في خليج عدن، قرب اليمن ومضيق باب المندب، وهو ممر أنفقت البحرية الأمريكية عامين في الدفاع عنه ضد هجمات الحوثيين. وتركيا عضو في الناتو، ما يجعل هذا الملف قضية تحالف بقدر ما هو قضية أفريقية، إذ تبني أنقرة بنية عسكرية وعلاقات تسليح مستقلة عن واشنطن. أما بالنسبة للقراء الإسرائيليين، فالزاوية ليست أن تركيا تسلّح الصومال ضد إسرائيل، إذ لا دليل على ذلك، بل أن تركيا تواصل توسيع "محيطها الاستراتيجي" العسكري على طول ساحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة لإسرائيل فيها مصالح أمنية أيضًا.
في ليلة 3 سبتمبر 2026، أصابت غارة بطائرة مسيّرة منزلًا في بلدة دولو بإقليم غيدو جنوب غرب الصومال، على الحدود مع إثيوبيا وكينيا، وهي منطقة تطالب بها كل من ولاية جوبالاند شبه المستقلة والحكومة الفيدرالية في مقديشو. وكان المنزل يعود للواء مهد عبد الرحمن آدن، المعروف بـ"شُب"، الذي قاد جهاز السجون الصومالي (الكوربس الإصلاحي) حتى إقالته من منصبه في مارس 2026 وسط توتر متصاعد بين مقديشو والإدارات الإقليمية. وأظهرت صور من الموقع، نقلتها "بيدوا أونلاين" و"تشيمب ريبورتس"، سقفًا مدمرًا جزئيًا وجدرانًا محطمة وحفرة ناجمة عن الارتطام، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان مهد موجودًا في المنزل وقت الغارة أو ما إذا أصيب أحد، إذ لم تتأكد بشكل مستقل تقارير سابقة تحدثت عن إصابات محددة.
وبرز منذ ذلك الحين اتهامان منفصلان وغير مؤكدين يشيران إلى جهتين مختلفتين: مسؤولون في جوبالاند، بحسب "بيدوا أونلاين"، يحمّلون الطائرات التركية المسيّرة المسؤولية المباشرة. في المقابل، اتهم رئيس الوزراء الصومالي الأسبق حسن علي خيري حكومة الرئيس حسن شيخ محمود الفيدرالية بتنفيذ الغارة بنفسها، بحسب "تشيمب ريبورتس"، من دون تقديم أدلة أو تحديد نوع الطائرة المستخدمة. ولم ترد أنقرة ولا مقديشو على أي من الاتهامين حتى لحظة النشر، لا بالنفي ولا بالتأكيد.
والقاسم المشترك بين الروايتين ليس الخلاصة، بل الخلفية: حكومة فيدرالية يعود أسطولها من الطائرات المسيّرة ومقاتلاتها وقرابة ثلث جنودها المدرَّبين إلى راعٍ أجنبي واحد، تواجه الآن اتهامات، من إقليم منشق من جهة، ومن رئيس وزراء سابق من جهة أخرى، بأنها توجّه تلك القدرة نحو خصومها الداخليين وليس فقط ضد حركة الشباب.
ويأتي التوقيت في قلب عام مشحون أصلًا؛ إذ دفعت مقديشو بتعديلات دستورية تمدد ولايات الرئاسة، ما عمّق الخلاف مع الولايات الإقليمية. كما لا يزال قرار مجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2023 برفع الحظر المفروض على تسليح الصومال منذ ثلاثة عقود محل تدقيق نشط إزاء سيناريوهات كهذه بالتحديد: تدفّق أسلحة خارجية إلى صراع نفوذ داخلي، لا إلى محاربة حركة الشباب فقط.
لا شيء هنا يثبت أن طائرة تركية استهدفت خصمًا سياسيًا صوماليًا، ولا أن مقديشو أمرت بضرب أحد جنرالاتها السابقين. لكن ما يصعب الجدل فيه هو البنية التي جعلت الاتهامين معًا مقنعين بما يكفي ليتصدرا عناوين دولية: حليف في الناتو أمضى أكثر من عقد يبني للحكومة الفيدرالية الصومالية آلة عسكرية، وهذه الحكومة تواجه الآن اتهامات متنافسة، من حكومة إقليمية ومن أحد رؤساء وزرائها السابقين، بأنها تستخدم القوة ضد خصومها السياسيين.
English Version
Turkey Built Somalia's Military. Now Its Drones Are Accused of Targeting a Political Rival
Somalia, a country on the Horn of Africa still fighting a decades-long war against the al-Shabaab insurgency, has spent the past decade building its federal military almost entirely around a single foreign patron: Türkiye. That relationship is now facing an uncomfortable question. A drone strike this week hit the home of a senior former security official in a region contested between Somalia's federal government and a semi-autonomous state — and two separate, unconfirmed accusations now point in different directions about who was behind it.
The footprint
Türkiye's military presence in Somalia is not a minor partnership. TÜRKSOM, Turkey's largest overseas military base, sits on the outskirts of Mogadishu, the Somali capital, and has trained Somali soldiers since 2017. Turkey's ambassador to Somalia, Mehmet Yılmaz, has said Ankara has trained roughly a third of Somalia's military — about 15,000 to 16,000 personnel — according to Anadolu Agency, Turkey's state news agency. Turkish-made Bayraktar TB2 armed drones have flown in support of Somali government operations against al-Shabaab since 2021. In January, Turkey deployed F-16 fighter jets to Mogadishu's Aden Adde International Airport, reported by Middle East Eye, The War Zone and AFP — the first time Turkish combat aircraft have operated from Somali soil.
المصدر
تركيا بنت جيش الصومال، والآن طائراتها المسيّرة متهمة باستهداف خصم سياسي في غيدو — بينما تتهم مقديشو نفسها باتهام مضاد من رئيس وزراء سابق.
المزيد من القصص
خليجقطر تشارك في قمة إسطنبول للعدالة 2026 التي تستضيفها تركيا
خليجقادة عسكريون من تركيا وباكستان والسعودية يجتمعون بشأن التهديدات الحوثية
دبلوماسيةنتنياهو يصف أردوغان بـ 'الطاغية' ويتهم تركيا باحتلال قبرص
دبلوماسيةتركيا ترفض اتهامات نتنياهو لأردوغان في الأمم المتحدة
سياسة
